ابن تيمية
46
منهاج السنة النبوية
أَمَاكِنَ بَعِيدَةٍ عَنْ مَشْهَدِهِ كَمَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِمَّا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ [ شَهْرِ ] ( 1 ) رَمَضَانَ ، وَإِمَّا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ( 2 ) يَتَوَجَّهُونَ إِلَى الْمَشْرِقِ ، وَيُنَادُونَهُ بِأَصْوَاتٍ عَالِيَةٍ يَطْلُبُونَ خُرُوجَهُ . وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا ، وَقَدْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْخُرُوجِ ، فَإِنَّهُ يَخْرُجْ سَوَاءٌ نَادَوْهُ ، أَوْ لَمْ يُنَادُوهُ ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ ، فَهُوَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ ، وَأَنَّهُ إِذَا خَرَجَ فَإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُهُ ، وَيَأْتِيهِ بِمَا يَرْكَبُهُ ، وَبِمَنْ يُعِينُهُ ، وَيَنْصُرُهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُوقِفَ [ لَهُ ] ( 3 ) دَائِمًا مِنَ الْآدَمِيِّينَ مَنْ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا . وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ عَابَ فِي كِتَابِهِ مَنْ يَدْعُو مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ دُعَاءَهُ ، فَقَالَ تَعَالَى : { ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ - إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ } [ سُورَةُ فَاطِرٍ : 13 - 14 ] هَذَا مَعَ أَنَّ الْأَصْنَامَ مَوْجُودَةٌ ، وَكَانَ يَكُونُ فِيهَا ( 4 ) أَحْيَانًا شَيَاطِينُ تَتَرَاءَى لَهُمْ ، وَتُخَاطِبُهُمْ ، وَمَنْ خَاطَبَ مَعْدُومًا كَانَتْ حَالَتُهُ أَسْوَأَ مِنْ حَالِ مَنْ خَاطَبَ مَوْجُودًا ، وَإِنْ كَانَ جَمَادًا ، فَمِنْ دُعَاءِ الْمُنْتَظَرِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ ( 5 ) كَانَ
--> ( 1 ) شَهْرِ : زِيَادَةٌ فِي ( أ ) ، ( ب ) . ( 2 ) ن ، م : وَإِمَّا فِي غَيْرِهِ . ( 3 ) لَهُ : زِيَادَةٌ فِي ( أ ) ، ( ب ) . ( 4 ) أ ، ب : بِهَا . ( 5 ) أَوْرَدَ النُّوبَخْتِيُّ اخْتِلَافَ فِرَقِ الشِّيعَةِ فِي أَمْرِ الْمَهْدِيِّ ، فَذَكَرَ أَنَّ فِرْقَةً تَقُولُ : إِنَّ الْمَهْدِيَّ ( مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَائِمُ الْحُجَّةُ ) وُلِدَ قَبْلَ وَالِدِهِ ( الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِّ ) بِسِنِينَ وَهُوَ مَسْتُورٌ لَا يُرَى خَائِفٌ مِنْ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ وَإِنَّهَا إِحْدَى غَيْبَاتِهِ ( انْظُرْ فِرَقَ الشِّيعَةِ ، ص 84 - 85 ) . وَفِرْقَةً تَقُولُ : بَلْ وُلِدَ لِلْحُسْنِ وُلِدَ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِثَمَانِيَةِ شُهُورٍ وَهُوَ مَسْتُورٌ لَا يُرَى . ( ص 85 ) . وَفِرْقَةً ثَالِثَةً تَقُولُ : إِنَّهُ لَا وَلَدَ لِلْحَسَنِ أَصْلًا ؛ لِأَنَّا قَدِ امْتَحَنَّا ذَلِكَ وَطَلَبْنَاهُ بِكُلِّ وَجْهٍ فَلَمْ نَجِدْهُ ، وَلَوْ جَازَ أَنْ نَقُولَ فِي مِثْلِ الْحَسَنِ وَقَدْ تُوُفِّيَ وَلَا وَلَدَ لَهُ إِنَّ لَهُ وَلَدًا خَفِيًّا ، لَجَازَ مِثْلُ هَذِهِ الدَّعْوَى فِي كُلِّ مَيِّتٍ مِنْ غَيْرِ خُلْفٍ ، وَلَجَازَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ - أَنْ يُقَالَ : خَلَّفَ ابْنًا نَبِيًّا رَسُولًا ( ص 85 - 87 ) . وَفِرْقَةً رَابِعَةً قَالَتْ : إِنَّهُ لَا يُوجَدُ إِمَامٌ بَعْدَ الْحَسَنِ وَإِنْ جَازَ أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ الْقَائِمَ إِذَا شَاءَ ( ص 87 - 88 ) . وَأَمَّا الْإِمَامِيَّةُ فَيَقُولُونَ : إِنَّ الْحَسَنَ الْعَسْكَرِيَّ قَدْ تُوُفِّيَ ، وَإِنَّ ابْنَهُ هُوَ الْإِمَامُ مِنْ بَعْدِهِ ، وَهُوَ خَائِفٌ مَسْتُورٌ بِسِتْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا الْبَحْثُ فِي أَمْرِهِ ، بَلِ الْبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ وَطَلَبُهُ مُحَرَّمٌ لَا يَحِلُّ ( ص 90 - 93 ) . عَلَى أَنَّهُ لَا تُوجَدُ فِرْقَةٌ أُخْرَى تَجْعَلُ الْمَهْدِيَّ شَخْصًا آخَرَ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ ، فَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ مُحَمَّدَ ابْنَ الْحَنَفِيَّةِ ، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ . وَغَيْرُهُمْ يَقُولُونَ : هُوَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، وَآخَرُونَ يَقُولُونَ : بَلْ هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ، وَهُمُ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ .